وجوه من زمن الجاهلية

تلك كانت مقومات ذلك النصر الخالد في ضمير الكون ، الضارب في جذور الحياة , الذي ترتفع به ملايين الأصوات في مشارق الأرض ومغاربها، وتترنم به ملايين الشفاه , لان الإسلام في صميمه حركة تحررية ثورية , تبدأ في ضمير الفرد وتنتهي في محيط الجماعة , أنه أعظم انقلاب في التاريخ الإنساني , كونه حطم طاغوت التمييز والعنصرية والتفرقة والمذهبية والطائفية , ودمر رموز الفساد والظلم ومن يعيشون على شقاء الآخرين وقوتهم وأرزاقهم , ( فإذا رأيت المظالم تقع وإذا سمعت المظلومين يصرخون , ثم لم تجد الأمة الإسلامية حاضرة لدفع الظلم , وتحطيم الظالم، فلك أن تشك مباشرة في وجودها).

0c7a7a72f11b783aa877143df90a6bad

يقول أحد الأدباء ( أمران لا يحدد لهما وقت بدقة , النوم في حياة الفرد , والانحطاط في حياة الأمة , فلا يشعر بهما إلا إذا غلبا واستوليا)، ولقد شاهدت في عمري المحدود – ولا زلت أشاهد – الكثير من الأمثلة الحية على هذا الاتجاه المؤسف – أي – مشاهد وصور تراجع مكانة هذه الأمة العظيمة الخالدة – أطال الله عمرها – وعجل فرجها ، أمثلة من حياة أجيال قدر لها أن تدفع ضريبة وثمن هروبها من تكاليف العزة والحرية والكرامة , فيسجل في سفر التاريخ أنها كانت الأجيال – المحسوبة على هذا الدين العظيم وهذه الأمة الكريمة – والتي فزعت من مواجهة النور , وتاهت في خضم الحياة ، وضلت في زحمة المجتمع والحضارة الإنسانية .

فعجبا لأمة يخشى بعض أبناءها السير في النور والطرقات الفسيحة الواسعة , فلا ترتاح نفوسهم وأفئدتهم الخائفة وتَطْمَئِنُّ سوى في الطرقات الضيقة والأزقة المظلمة الموحشة , يخشون الكلمة الصادقة والنقد البناء والنصيحة الهادفة والدعوة إلى الحق لأنهم مدركون تمام الإدراك لقوة تيارها وتأثيرها على الآخرين , يخشونها مخافة المتخمين من الجوع , والأغنياء من الفقر , ومن تعود على الراحة والدعة ولو تحت سياط الذلة والعبودية , فهم كما قال الحق عز وجل فيهم } وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ , وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ , كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ , يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ , هُمُ ٱلْعَدُوُّ فَٱحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ ٱللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ } صدق الله العظيم .

كم يشبهون سكان ذلك العالم التجاري المفلس الذي واجهه محمد صلى الله عليه وسلم في بداية دعوته إلى حد بعيد , العالم الحائر الضال المادي الذي اختار العمى على النور، والظلال على الهدى , العالم الذي قامت قيامة جاهليته لان الله اختار من بينهم رجلا رشيد يدعوهم الى الكلمة الصادقة , ويوجههم إلى أخطاءهم , وينتقد فساد تصرفاتهم وسلوكياتهم وحكوماتهم التجارية الجاهلية , فاجلبت على الداعي صلى الله عليه وسلم بخيلها ورجلها , وجاءت بحدها وحديدها , { وَانطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُواْ وَاْصْبِرُواْ عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَـذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ } صدق الله العظيم .

نعم ….. وقفت قريش بتجارها وساستها وقادتها وكبراءها وعدتها وعتادها أمام الدعوة الكريمة والكلمة الصادقة بالرفض والمواجهة والحرب لأنهم كانوا خائفون على تجارتهم وأموالهم القائمة على أكل أموال الناس بالباطل , والمتاجرة بشقاء الفقراء والبؤساء والضعفاء , خائفون على سلطتهم وسلطانهم ومناصبهم القائمة على الظلم والتعصب والجبروت والقمع , لان الدين الجديد يساوي بين الغني والفقير , والمالك والمملوك , ولان الدين الجديد يرفض كل أنواع العبودية والكبت والطائفية والتفرقة والعنصرية , وهم بالطبع يقتاتون من وراء هذا , وبدونه لا يمكن لهم الاستمرار والبقاء في هذه الحياة , فهم أشبه بالطفيليات التي تقتات على الفاسد النتن من الجيف والقاذورات .

تلك كانت مقومات ذلك النصر الخالد في ضمير الكون ، الضارب في جذور الحياة , الذي ترتفع به ملايين الأصوات في مشارق الأرض ومغاربها، وتترنم به ملايين الشفاه , لان الإسلام في صميمه حركة تحررية ثورية , تبدأ في ضمير الفرد وتنتهي في محيط الجماعة , أنه أعظم انقلاب في التاريخ الإنساني , كونه حطم طاغوت التمييز والعنصرية والتفرقة والمذهبية والطائفية , ودمر رموز الفساد والظلم ومن يعيشون على شقاء الآخرين وقوتهم وأرزاقهم , ( فإذا رأيت المظالم تقع وإذا سمعت المظلومين يصرخون , ثم لم تجد الأمة الإسلامية حاضرة لدفع الظلم , وتحطيم الظالم، فلك أن تشك مباشرة في وجودها).

وها نحن اليوم وبعد ألـ 1432 سنة من ذلك الانقلاب التاريخي العظيم الذي حطم أغلال العبودية والرق والقهر والكبت وكل أنواع الظلم والفساد , وانتزع من تجار قريش سياطهم وسلطتهم، وأعاد إلى المظلومين والمقهورين والبؤساء والضعفاء مكانتهم الإنسانية والاجتماعية ، وغير وجه الكون الحالك المظلم , إلى آخر مشرق منير صالح للحياة بكرامة وعزة وإنسانية , نرى عودة تلك الثلة المتاجرة بقوت الشعوب وعرقهم , بحريتهم وكرامتهم ، بأفكارهم وآراءهم , بل واستفحال قوتهم ومكانتهم في كل أرجاء هذه الأمة العظيمة .

نعم …. نرى عودة ثانية لتجار قريش وسياطهم وقسوة قلوبهم , نراهم في كل شخص يتمثل لنا على تراب هذه الأمة العظيمة الخالدة في صورة الظلم والطغيان والجبروت والقهر , في صورة الأغنياء الذين لا تهمهم سوى بطونهم المتخمة بينما إخوة لهم في مشارق الأرض ومغاربها تئن من الجوع والمرض والفقر والفاقة , نشاهدهم في صور الحكومات التي ترفض الشرفاء والمخلصين من أبناءها، لتستبدلهم بعملاء الاستعمار وتجار الكلمة الرخيصة والأدب المنحل والعبيد الذين يهربون من الحرية , ولا يجدون أنفسهم إلا في سلاسل الرق.

نراهم في كل أشكال المتاجرة بالإنسانية والحرية والعدالة في كل أرجاء هذه الأمة الغالية , في القهر والجوع والظلم الذي نراه في عيون أطفال العراق وفلسطين وكل شبر عزيز على تراب هذه الأمة العظيمة , نراه في صورة المسئول الخائن الذي حول ثروات الأوطان والشعوب إلى مزارع له ولأبنائه ومن يحسبون عليه ، بينما يعيش بقية أبناء وطنه وأمته عيشة قاسية مرة , نراه في صور الذين قدر لهم أن يملكوا المطارق ومفاتيح السجون والمعتقلات , فلا يقذفوا في غياهبها سوى الأبرياء والشرفاء الذي رفضوا الانسياق لمواكب العبودية والارتزاق والعمالة للاستعمار وأعوانه وأشكاله .

وكما أن تجار وساسة قريش الأولى قبل 1432 سنة قد ابتكروا وسائل التنكيل بالأحرار والشرفاء والمخلصين لامتهم وعقيدتهم وأوطانهم ومبادئ الكرامة والفضيلة والكلمة الحرة الصادقة والنقد البناء , كذلك فعل تجار قريش في القرن الحادي والعشرين , والذين لا يختلفون عنهم كثيرا , سوى أنهم أكثر قسوة وظلم , ويملكون من صور التنكيل المتقدمة ما عجزت عن اختراعه قريش الأولى , بل – والله – إن أولئك في الجاهلية لأرحم ألف مرة من قريش الجاهلية في القرن الحادي والعشرين .

إنما وعلى الرغم من ثبات تلك الحقائق المرة , فان هناك حقائق أخرى لا تقل عنها ثبوتا , حقائق تشير إلى أن المستقبل للأحرار والشرفاء والمخلصين لامتهم وعقيدتهم , وان ملكية هذه الأمة العظيمة الخالدة سترد يوما لأصحابها الحقيقيين , أصحابها الذين يخافون على عزتها وكرامتها ومجدها , لا على جيوبهم ودفاتر شيكاتهم وأرصدتهم البنكية ووظائفهم الرسمية , وقد دلت التجارب الماضية كلها على أن الأرض الطاهرة الزكية ترفض قبول الغث الفاسد من الحشائش ، { فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ } صدق الله العظيم.

فإلى الذين قدر لهم أن يكونوا أحرارا أو عبيدا في سوق قريش , إلى الأغنياء الذين تمتلئ بهم غرف الإنعاش بسبب التخم ” اتقوا الله في جياع هذه الأمة ” , إلى الآمنين في دورهم تذكروا إخوة لكم في فلسطين والعراق وكل شبر في هذه الأمة الغالية وهم يعيشون تحت وطأة الظلم والقهر والاحتلال ، والى أصحاب الجاه والسلطة والمناصب , وكل من قدر الله له مكان المسؤولية في هذه الأمة , اتقوا الله في أماناتكم ومناصبكم فانتم يوم القيامة ستسالون عن كل ذلك , إلى هؤلاء جميعا نقول لهم قول الحق عز وجل : { وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } صدق الله العظيم.

العدد الثاني عشر سياسة

عن الكاتب

الأستاذ محمد بن سعيد الفطيسي

• رئيس تحرير صحيفة السياسي الالكترونية , التابعة للمعهد العربي للبحوث والدراسات الإستراتيجية منذ مطلع العام 2009 م وحتى الآن.
• رئيس تحرير صحيفة الساعة الالكترونية السورية في الفترة من 2007 - 2008م.
• صحفي مستقل , وباحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية.
• كاتب مقال أسبوعي بصحيفة الوطن بسلطنة عمان – صفحة آراء السياسية.
• باحث في الشأن الروسي الحديث – روسيا القرن الحادي والعشرون.
البريد الالكتروني : azzammohd@hotmail.com
الهاتف النقال : 0096899844122